اتهامات للحكومة بهندسة الانتخابات أكبر «استبعادات» للمرشحين منذ 2006 المشرق العربي فقار فاضل الأربعاء 10 أيلول 2025 رئ
اتهامات للحكومة بهندسة الانتخابات: أكبر «استبعادات» للمرشحين منذ 2006
المشرق العربي
فقار فاضل
الأربعاء 10 أيلول 2025
رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، يتفقّد الجامع النوري الكبير حيث المئذنة الحدباء في الموصل (أ ف ب)
بغداد | منذ منتصف آب الماضي، تعيش الساحة السياسية العراقية على وقع سجالات متصاعدة بشأن عملية إعداد قوائم المرشحين للانتخابات البرلمانية، المقرّرة في 11 تشرين الثاني المقبل. وتصاعد هذا الجدل في الأيام الماضية، مع إقدام «المفوّضية العليا للانتخابات» على استبعاد مئات المرشحين، لأسباب شملت تطبيق قانون «المساءلة والعدالة» الذي يعني خصوصاً البعثيين والإرهابيين، وملفات جنائية تتعلّق بالقتل والفساد وغسل الأموال والتزوير. ووصفت المفوّضية هذه الإجراءات بأنها ضرورية لحماية نزاهة الاقتراع وضمان صعود الصالحين، فيما رأى مراقبون أنها تمثّل أكبر عملية إقصاء منذ عام 2006، وتستهدف أسماء بارزة في المشهد السياسي.
وكانت أعلنت المفوّضية، في 19 آب، استبعاد 542 مرشحاً، لكنّ الإحصاءات اللاحقة رفعت العدد إلى 627 بين من شملهم قانون «المساءلة والعدالة»، ومن انسحبوا أو استُبدلوا، ومن عوقبوا بسبب ملفات جنائية أو قضايا تزوير أو أحكام قضائية، فضلاً عن مرشحين لم يستكملوا أوراقهم الرسمية وآخرين.
إلا أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحدّ، إذ كشف عضو الفريق الإعلامي للمفوّضية، حسن الزاير، لـ»الأخبار»، أن عدد المستبعدين بلغ حتى الآن 786 مرشحاً، محذّراً من أن الرقم قد يتغيّر مع استمرار عمليات التدقيق الأمني والقضائي. وأوضح أن المفوّضية تعمل بالتنسيق مع وزارات الداخلية والدفاع والتربية والاستخبارات ومجلس القضاء الأعلى، مشدّداً على أن باب الطعون القضائية مفتوح بما يضمن حقوق المستبعدين.
وأثار قرار المفوّضية ردود فعل متباينة؛ إذ إن بعض النواب والمراقبين وصفوا الاستبعادات بأنها انتقائية وسياسية الطابع، معتبرين إياها أداة لإعادة تشكيل الخريطة البرلمانية وفق حسابات محدّدة. وفي المقابل، رآها آخرون ضرورية لتنقية العملية الانتخابية من المرشحين غير المناسبين وإبعاد المال السياسي الفاسد عن ساحة التنافس. وفي هذا الإطار، يعتقد النائب أحمد الربيعي، عضو لجنة النزاهة النيابية، في حديث إلى «الأخبار»، أن «المفوّضية والجهات المسؤولة، وبينها القضاء والأجهزة الأمنية ووزارتا التربية والتعليم، تقوم بدور دقيق في تدقيق ملفات المرشحين»، معتبراً أن «ما يجري يمثّل خطوة تصحيحية ضرورية لحماية الانتخابات من التلاعب والفساد».
اعتبر نواب مستقلّون أن حجم الاستبعادات يمثّل أكبر عملية إعادة تشكيل للمشهد السياسي بقرارات فوقية
من جانبه، يرى الخبير الانتخابي، علي الكعبي، أن «موجة الاستبعادات الأخيرة تحمل وجهين متناقضين، فهي من جهة ضرورة لضمان نزاهة التنافس، لكنها من جهة أخرى تفتقر إلى الشفافية والمعايير الواضحة، ما يثير شكوكاً حول عدالة الإجراءات وقدرتها على تعزيز ثقة الناخب في العملية الانتخابية». أما الأكاديمي في العلوم السياسية، ميثم الجنابي، فيعتبر أن التجربة العراقية منذ عام 2006 أثبتت أن أي انتخابات لا يمكن أن تنجح من دون قاعدة سياسية عريضة تقبل بنتائجها، منبّهاً إلى أن الاستبعادات الواسعة قد تنقّي المشهد، لكنها قد تضعف في المقابل التمثيل السياسي وتزيد من هشاشة شرعية البرلمان المقبل إذا ما تحوّلت إلى أداة للصراع السياسي.
وتأتي هذه التطورات في ظل جدل متواصل حول قانون «المساءلة والعدالة» الذي أُقر عام 2008 بهدف منع عودة رموز حزب «البعث» إلى الحكم، لكنه ظل مثار انتقادات بسبب ما اعتُبر توظيفاً سياسياً لأحكامه. كما أن تكاليف الترشّح المرتفعة وما تتطلّبه الحملات الانتخابية من موارد مالية ضخمة، تثير بدورها مخاوف من إقصاء غير معلن للمرشحين المستقلّين أو الأقل نفوذاً. ومع استمرار عمليات التدقيق واحتمال تجاوز أعداد المستبعدين حاجز الألف، تبدو الانتخابات المقبلة محاصرة بين شعار «النزاهة والتنقية» و»الانتقائية والإقصاء»، في انتظار ما إذا كانت المفوّضية ستتمكّن من تمرير عملية انتخابية قادرة على إعادة الثقة إلى الناخب العراقي، أم أن البرلمان الجديد سيولد وسط أزمة شرعية سياسية وشعبية متجدّدة.
وفي هذا السياق، يرى سياسي عراقي رفض الكشف عن اسمه، وهو أحد المستبعدين، في حديث إلى «الأخبار»، أن «ما يجري اليوم من استبعادات واسعة يضع العملية الانتخابية أمام امتحان صعب. لا يمكن الحديث عن ديمقراطية حقيقية في ظل غياب معايير ثابتة، وانتقائية في تطبيق القوانين. ما نحتاج إليه هو منافسة عادلة تتيح للناخب العراقي أن يختار، لا أن يُفرض عليه مشهد مُعدّ مسبقاً عبر قرارات إقصائية».
وكانت لمّحت شخصيات من «التيار الصدري» إلى أن الإجراءات «انتقائية»، واتهمت المفوّضية باستخدام معايير مزدوجة قد تؤدي إلى إعادة إنتاج المحاصصة نفسها، في حين اعتبر نواب مستقلّون أن حجم الاستبعادات «غير مسبوق»، ويمثّل «أكبر عملية إعادة تشكيل للمشهد السياسي بقرارات فوقية». كذلك، عبّرت بعض الشخصيات السنّية عن خشيتها من «إقصاء سياسي منظّم» يستهدف مناطق بعينها دون غيرها.
وتأتي انتخابات تشرين الثاني في ظرف سياسي واقتصادي وأمني بالغ التعقيد، ووسط أزمة ثقة متنامية بين الشارع والمؤسسات الرسمية، وفي ظل احتجاجات متقطّعة تطالب بإصلاحات حقيقية وضمان نزاهة العملية السياسية. ومنذ انتخابات 2018 وما رافقها من نسب مشاركة متدنّية وطعون واسعة في النتائج، أصبحت المخاوف أكبر من تكرار سيناريو العزوف الشعبي أو التشكيك المُسبق في شرعية البرلمان.
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها